“فما بال رجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها”.. ماذا تعرف عن الخيزران التي حكمت قصور العباسيين عقدين من الزمن

“فما بال رجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها”.. ماذا تعرف عن الخيزران التي حكمت قصور العباسيين عقدين من الزمن

كانت الخيزران ذات شخصية قوية، ولها رأي وتدبير في أمور الرعية، وكانت ترعى العلماء وتشجعهم وتصلهم بالعطايا والهبات.

الخيزران بنت عطاء هي زوجة الخليفة العباسي المهدي، ووالدة الخليفة هارون الرشيد والخليفة الهادي.

والخيزران هي جارية استقدمت من اليمن، اشتراها الخليفة المهدي وأعتقها وتزوجها، واصطحبها معهُ إلى بلاد العجم.

وكان طبيبها الحكيم عبد الله الطيفوري، ولم تلد لامرأة خليفتين غيرها، سوى ولادة أم الوليد وسليمان ابني عبد الملك بن مروان.

ظلت الخيزران تتدخل طيلة عقود في شؤون السياسة ودهاليز القصور في عصر زوجها المهدي وأبنائها، حتى وقع الصدام الشهير بينها وبين ابنها موسى الهادي الذي سئم تدخلها في الشؤون السياسية، بل وفي الفصل بين الناس، وقضاء الحوائج.

حتى إن تدخلها في شؤون الحكم جعل صورته أمام العامة والخاصّة هي صورة الخليفة الضعيف الذي لا يملك من أمره شيئا.

يقول بعض المؤرخين: “إنّ الخيزران كانت متبسّطة (متحكّمة) في دولة المهديّ تأمر وتنهي، وتشفع وتُبرم وتُنقض، والمواكب تروح وتغدو إلى بابها”.

بل إن الخيزران استطاعت في النهاية أن تُقنع المهدي بأن يولي هارون الرشيد ولاية العهد بدلا من أخيه الكبير موسى الهادي؛ لحبّها لهارون، وطاعته التامة لها.

لكن وفاة المهدي حالت دون تحقيق هذه الرغبة، وكان ولي العهد آنذاك في منطقة جرجان شمال إيران يحارب بعض الثائرين على الدولة.

كان الخيزران دور محوري في تمرير انتقال السلطة لابنها الأكبر موسى الهادي، ولكن فعلتها تلك كانت بداية صـ.ـراع مكتوم بينها وبين ابنها الذي أصابه الحنق والغيرة على اجتماع أمّه بكبار رجالات الدولة والتدخل في شؤونها السياسية.

لكنه لم بتعد حدود البر مع أمه، فقد كان كثير الطاعة لها، وظل على طاعته لها حتى مضت أربعة أشهر على خلافته، فكان طمعُ الناس يزداد في شفاعة الخيزران ونفوذ كلمتها في الدولة العباسية.

حتى قال المؤرخ المسعودي في كتابه “مروج الذهب: “كانت المواكبُ لا تنفض عن بابها، ففي ذلك يقول الشاعر: يا خيزُرانَ هَناك ثم هَنَاك ** إنّ العباد يسُوسُهم ابناكِ”.

وشيئا فشيئا انتقل نفوذ الخيزران من قضاء حوائج العامة إلى قضاء حوائج كبار رجالات الدولة من القادة والوزراء والموظفين وغيرهم.

مثل قائد الشرطة عبد الله بن مالك الذي أرادها أن تستشفع لدى الخليفة لقضاء حاجة، ولكن عند هذه المرحلة انفـ.ـجر غضب الهادي، وع ذلك لم يجاوز حدود الأدب مع أمه.

يقول المسعودي في “مروج الذهب”: “قالت (أي الخيزران): لا بد من إجابتي، قال: لا أفعلُ، قالت: فإني قد ضمنتُ هذه الحاجة لعبد الله بن مالك (قائد الشرطة)، فغضبَ الهادي، وقال: ويلٌ لابن الفاعلة، قد علمتُ أنه صاحبها، والله لا قضيتُها لكِ، قالت: إذن والله لا أسألُك حاجة أبدا، قال: إذن والله لا أُبالي. وحمي، وقامت وهي مُغضبة”.

لكن الهادي استوقفها وزاد من تحديد صلاحيتها وتدخلها في شؤون الحكم فقال لها: “مكانك، فاستوعبي كلامي، والله، وإلا نُفيتُ من قرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد مِن قُوادي، أو مِن خاصّتي، أو مِن خدمي، لأضربنَّ عنقه، ولأقبضنَّ ماله، فمَن شاء فليلزم ذلك، ما هذه المواكب التي تغدو إلى بابِك كل يوم؟ أما لك مِغزل يشغلك، أو مُصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك أن تفتحي فاكِ في حاجة لمسلم ولا ذمّي. فانصرَفَت وما تعقلُ ما تطأ، فلم تنطق عنده بحلو ولا مُر بعدها”.

لم يتوقف الهادي عند هذا الحد، بل جمع حاشيته وقادته وكبار رجال دولته ممن اعتادوا على وساطات السيدة الخيزران وقضائها لحوائجهم.

يقول الطبري في تاريخه: “فلما كثُر عليه مصير مَن يصيرُ إليها مِن قُوادِه، قَالَ يوما وقد جَمَعهم: أيما خير، أنا أو أنتم؟ قالوا: بل أنت يا أمير المؤمنين، قَالَ: فأيما خير، أمي أو أمهاتكم؟ قالوا: بل أمك يا أمير المؤمنين، قَالَ: فأيكم يحب أن يتحدث الرجال بخبر أمه، فيقولوا: فعلَت أم فلان، وصنعت أم فلان، وقالت أم فلان؟.

قالوا: ما أحد منا يحب ذلك، قَالَ: فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها؟! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها البتة، فشقّ ذلك عليها فاعتزلته، وحلَفت ألا تُكلّمه، فما دخلت عليه حتى حضرته الوفـ.ـاة”.

مرض الهادي، ونزلت به سكرات الموت وهو لا يزال شابا في الخامسة والعشرين من عُمره، وبسبب القطيعة مع أمه الخيزران أرسل لها وهو في سكرات موته قائلا: “أنا هالكٌ في هذه الليلة، وفيها يَلي أخي هارون، وقد كنتُ أمرتُك بأشياء ونهيتُك عن أخرى، مما أوجبته سياسة الملك، لا مُوجبات الشرع من بِرّك، ولم أكُن بِك عاقّا، بل كنتُ لك صائنا وبَرّا واصلا، ثم قضى قابضا على يدها، واضعا لها على صدره”.

عودتها مع الرشيد إلى ما كانت عليه

عندما توفي الهادي، استدعت الخيزران قائد الجيش “هرثمة بن أعين”، فأخبرته أن يأخذ البيعة لابنها هارون الرشيد، كما استدعت يحيى بن خالد البرمكي الذي أصبح وزير هارون الرشيد والمتصرف في الأمور.

وعادت الخيزران إلى سيرتها الأولى من القوة والعظمة وتدبير شؤون الدولة طوال السنوات الثلاث الأولى من خلافة هارون، قبل أن تدركها الوفـ.ـاة.

يقول الطبري في تاريخه: “وكانت الخيزران هي الناظرة في الأمور، وكان يحيى بن خالد يعرض عليها ويصدر عن رأيها”.

ـتوفيت الخيزران في عام 173 هـ، أم الخلفاء العباسيين وجدّتهم الكبرى.

الجزيرة وتاريخ الدولة العباسية

مواضيع قد تهمك

مواضيع قد تهمك

مواضيع ذات صلة