إدلب السورية على خطى الصحراء الغربية بحكم البوليساريو

مولود جديد غير مُكتمل في سوريا لا هو حكم ذاتي ولا هو استقلال ولا تقسيم

ادلب السورية بسلطة الجيش الوطني
على خطى الصحراء الغربية بحكم البوليساريو

تعتبر القضية السورية وما وصلت إليه محل تجاذبات وتصريحات سياسية لا أكثر، أما وفي المقابل فقد أصبحت الأرض السورية تشكل ساحة صراع دولي على القوة والنفوذ

فمع كل تحرك جديد بخصوص هذا الملف الشائك ألا وهو الملف السوري، تبدأ التحليلات والتنبؤات التي تحكي عن بداية انتهاء سنوات من المأساة، ومن جانب آخر أيضا

تدخل القضية نفسها في إطار التكهنات و السيناريوهات التي يطلقها المراقبون للمشهد بين الفينة والأخرى لترافق كل حدث جديد، فما بين التصريحات التي تحكي عن اشتداد الحراك المسلح الذي سيسقط من خلاله النظام الحاكم في سوريا الى غير رجعة

وما بين الدعم اللوجستي والسياسي والأمني من قبل الداعمين للنظام السوري، تتوه النتائج المرجوة لكلا الطرفين وتفشل الاستنتاجات، أما وفي المقابل يكون الخاسر الأكبر هو الشعب السوري المحسوب على كلا الطرفين.

ما إن دخل العام 22 20 وبعيداً عن التحليل والتبصير، فقد تأكد المراقبون للحدث السوري أن الحل في سوريا هو حل سياسي محظور التغيير على الطرفين، حل يتوقف على ترتيبات وتفاهمات تركية روسية ايرانية حول القضية السورية

التي باتت تختصر بقضية ادلب المعقدة، قضية أجمعت حولها أطراف وازنة من بلاد الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي ودول كبرى عن أن الحل سياسي وليس عسكري، في ظل تجاذبات وصراعات قائمة ومستمرة على الأراضي السورية ومن قبل أطراف دولية عديدة .

الجبهة على اطراف ادلب محكومة بالداعمين، قوة تدعم الجيش السوري، وقوة ترعى وتأمن البقعة الخضراء (إدلب) و ما يسمى الجيش الوطني ، أما وفي الطرف الأخر حلول بطيئة الحركة تلوح في الأفق و بإطارها الذي لا يخرج عن تطبيق قرارات مجلس الأمن التي تنص كلها على حق تقرير المصير للشعب السوري طبقا للقانون الدولي

أما الخلاص فسيكون لاحق التصويت حسب ما نرى، وذلك من خلال “تفريخ مولود جديد غير مُكتمل” في سوريا ، سلطة لا تعتبر حكماً ذاتياً ولا هي استقلال ولا تقسيم .

• ادلب الملجأ الوحيد للمعارضة السورية
منذ بداية الأحداث في سوريا كانت ادلب اوائل المحافظات التي خرجت عن سلطة النظام السوري، حتى انها اصبحت ملجأ ومكان آمن يدير الثورة السورية، فأغلب الكيانات العسكرية التي تشكلت في سوريا ان كانت متشددة الفكر سميت بالمتطرفة، أو مجموعات معتدلة بفكرها الديمقراطي الثوري، او حتى هيئات ولجان شعبية مدنية ، كانت ادلب مكانا لمراكزها وانطلاق أنشطتها.

ادلب الخضراء كما تسمى والتي تتبع للشمال السوري، باتت اليوم مسكنا وملجأ لما يقارب ثلاث ملايين معارض سوري حسب تقارير اغاثية ، وأيضا بحسب تقارير اممية نرى أن الواقع مرير وهو ما يجعل المستقبل السوري معقد، والأزمة عند حدود ادلب تلد الهِمة، وإن التوافقات والتفاهمات وضمان المصالح الجيوسياسية والاقتصادية لجميع الأطراف

لن تنجح إلا إذا تم أخذ المأساة الإنسانية الحاصلة في إدلب على محمل الجد والحل يكون بإخراج هذه البقعة الدامية (إدلب )من ساحة الصراع الدولي، ويبقى العامل الحاسم في هذه المعركة هو صاحب الحق المُمسك عليه بالنواجد والمستعد أن يموت دونه ألا وهو الفئة المعارضة التي لا تمتلك خيارات سوى الحياة على أرض إدلب أو الموت على ترابها .

اليوم الملف السوري الذي بات مختصراً بقضية ادلب يعتبر من أحد الملفات الشائكة على الصعيد الدولي، فهل سيكون مكان هذا الملف على رفوف مجلس الأمن وجمعية الأمم المتحدة ليحددوا مصيره في أجل غير مسمى، وهل ستتوقف التجاذبات السياسية على أرض إدلب لتحقن دماء السوريين من كلا الطرفين وتعيش الأرواح في ظل غياب العدل الدولي والإقليمي .

• مصير إدلب هو في تطبيق حل الصحراء الغربية
إن تم طرح ملف للنقاش في مجلس الأمن فاعلم أنه دخل مرحلة الجمود، العصبة الأممية التي تتدخل بتقرير المصير و تناقش وتصوت غالباً ما تخرج بحل اللا حل، ومثلما بات معلوماً أن الدول الخمس دائمة العضوية

والذين يمتلكون حق الاعتراض على أي قرار يقدم لمجلس الأمن دون إبداء أسباب، تلك الدول لا تجمعهم سوى مسمى العضوية، ولكن السياسة والأطماع تجعلهم متفرقي الرأي كلَ يطمح بتحقيق مكاسب لدولته .

مجلس الأمن بمسماه السلمي كرئيس وهيئة والذين يجب أن يتحملوا المسؤولية في صون السلم والأمن الدوليين أصبحوا اليوم عاجزين عن اتخاذ قرار بحل هذه القضية الأممية ألا وهي سوريا .

هي أسباب كثيرة تمنع التوصل لحل المشكلة السورية وأبرزها أن مجلس الأمن لا يمتلك الأدوات التي تفعل أي قرار يخرج من بعد الاجتماعات والتصويت والنقاش لكونه لا يمتلك حق فرض الرأي ولا يمتلك لا قوة عسكرية ولا قوة اقتصادية يهيمن بها على القرارات، وإنما يترك تنفيذ أي قرار للدول الكبار الخمس لتقوم بعمل ما يتماشى مع رغباتهم وسياساتهم .

” فكيف ستنتهي المأساة في سوريا والمختصرة ب إدلب والفرقاء أنفسهم هم الأعضاء و المصوتون والمناقشون والأدوات ”

يقدر عدد المرات التي طُرح فيها اسم إدلب السورية في مجلس الأمن سبع مرات تقريبا، فكان أغلبها يعقد تحت مسمى جلسة عاجلة واستثنائية ليغطي هذا الملف على كل الملفات الدولية

وفي كل مرة يتم النقاش والتصويت من قبل أصحاب المشكلة أنفسهم ألا وهم أصحاب الفيتو فكانوا يتوصلون إلى حل اللاحل لكون ملف سوريا أصبح من أصعب الملفات الشائكة التي تتدخل بصلب قضيتها دول عظمى تنهج مبدأ تكسير العظم .

اليوم القضية السورية وادلب تحديداً باتت تشابه قضية الصحراء الغربية، مبعوثين أمميين فشلوا، واجتماعات تقابلها عقبات، وصراع دولي على بقعة أرض متداخلة الجغرافيا، فهل الخاتمة سواء.

• مثال واضح يتم نسخه ليكون مستقبل لإدلب
الصحراء الغربية هي المنطقة المُتنازع عليها والتي تقعُ في المغرب العربي الذي يُعرف أيضًا باسمِ المغرب الكبير شمال أفريقيا إعتبرها مجلس الأمن ملفاً شائكاً ، مثلما اعتبر المبعوثون الامميون أن ادلب ملفاً شائكا أيضاً.

الصراع الدولي بشأن الصحراء الغربية بدأ منذ العام 1963 تحت قبة مجلس الأمن والأمم المتحدة حول أحقية ضم هذه البقعة الصحراوية المتداخلة الجغرافيا مع بلدان عديدة أصبح خلافاً ممتداً ليومنا هذا بسبب هيمنة دول خارجية على الملف.

إسبانيا والمغرب والجزائر وموريتانيا صراع على سيادة هذه الارض، وما يسمى الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب ما تعرف ب “جبهة البوليساريو” الحكومة التي تدير هذه الرقعة تريد الاستقلال .

الصحراء الغربية التي مرت بالمراحل التي تمر بها ادلب اليوم كانت وما تزال موضع نقاش ليومنا، وهذا حتى من بعد قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار عام 1991 وجعلها تحت الحكم الذاتي إلى حين عمل استفتاء شعبي، أي إلى ما شاء القدر

ف النفوذ الاسباني والسلطة المغربية والدعم العسكري الجزائري للبوليساريو والجغرافيا الموريتانية المتصلة جعلت القضية مرهونة بقرارات الأمم المتحدة التي ملت من طرح هذا الملف دون جدوى، لتستقر قضية الصحراء الغربية على رف الملفات الشائكة المتعبة.

أما عن إدلب التي تمر بنفس المشكلات التي مرت بها الصحراء الغربية سيكون مصيرها حسب ما نراه، مصير شبيه بمصير الصحراء الغربية .

• أوجه الشبه بين إدلب والصحراء الغربية
لقد مرت الصحراء الغربية وادلب بنفس الخطى وهما اليوم متشابهتان بالمصير، الأمم المتحدة قدمت الرعاية لإدلب من خلال ارسال مبعوثين دوليين و باء الحل بالفشل ولم يتوصلوا الى حل، جلسات استثنائية وطرح لحل المشكلة يخرج دائما بسلبية بسبب الفيتو

قرار وقف اطلاق النار دائماً موضع سجال عن الخروقات التي تعيد فتح الجبهات وتُفشل القرار، وفي النهاية بلدان متدخلة بصلب القضية التي تحولت من سوري سوري الى دول، روسيا وإيران لن تتركا سوريا لأسباب سياسية وعسكرية واقتصادية فيها منافع لهم

وتركيا لن تترك ادلب تعيش في عبثية تهدد حدودها وأمنها ، وأمريكا في سوريا تكسر قوة الحلفاء بدعمها للاكراد عسكريا لا سياسيا لتبقى الجبهة مشتعلة

أما وما دون ذلك، فشل وإرهاق أممي بسبب قلة الموارد المادية لتغطية نفقات الجمعيات الإنسانية التي تحاول تقديم المساعدات للنازحين والمشردين في إدلب .

إذاً بات الحل جديراً بالتفعيل ألا وهو “تجميد الصراع بإقامة إقليم حكم ذاتي مؤقت غير منفصل عن الدولة” لكون كل البلدان الأعضاء في مجلس الأمن متفقون على أنه لا يسمح بتقسيم سوريا، وهذا مثلما اتفقوا عليه بعدم تقسيم المغرب ، والحل الوحيد لمشكلة ادلب اليوم والتي سيتخذها مجلس الأمن لاحقاً وبموافقة الجميع لكونها تستوفي شروط الملف الشائك سيكون

خلق إقليم يخضع لحكم “الجيش الوطني” المدعوم تركياً، تمتد حدوده من تركيا إلى الطريق m4 الذي رسمه الأتراك وروسيا ليكون ممراً إنسانياً آمناً وتراقبه الدوريات الروسية التركية لحين اتفاق جميع الأطراف السورية وغير السورية على حل واحد ألا وهو تجميد الصراع لأجل غير مسمى.

وكما بينا في أن ادلب تخضع لمشكلة ممتدة خارج حدودها ضمن سوريا، بالإضافة إلى أنها تسبب مشكلة اقليمية أمنية إنسانية خارج سوريا كبلد، لهذا وحسب توارد الأحداث التي تتسارع ، فإنه عاجلاً أم آجلا ومن بعد التفاهمات التركية الروسية من خلال اتفاقات سوتشي

سيتم التحول للأمم المتحدة ليتم التصويت في مجلس الأمن وتوافق الجميع على أن تكون ادلب بهذا المسمى , “مولود جديد غير مُكتمل في سوريا، لا هو حكم ذاتي, ولا هو استقلال ولا تقسيم ” , وذلك لتحييد الملف العسكري عن الملف السياسي في القضية السورية ككل .

• الصراع
الحلول الأممية التي قدمت للصحراء الغربية، والحلول التي قدمت لسوريا التي تختصر مشكلتها ب ادلب كلاهما بلا جدوى، إذاً الحل هو في وقف اطلاق النار وخفض التصعيد وارسال مبعوثين دوليين لإمضاء تفاهمات ورسم حدود فاصلة بين جهات الصراع ، وهو ما سيكون أفضل الحلول لأجل غير مسمى .

أما الشروط في ادلب ستكون : إقليم يتبع جغرافياً لدولة الجمهورية العربية السورية، لا يعترف به كدولة مستقلة مستقبلا ويكون بقعة آمنة تسيطر عليها قوة امنية وعسكرية ألا وهي قوات الجيش الوطني و حكومة مصغرة من الهيئات المدنية تديره

ومن حوله حدود فاصلة خاضعة لوقف إطلاق النار الدائم برقابة قوات حفظ السلام ، وتبقى قضية تغيير النظام في سوريا موضع تجاذبات وحسابات سياسية لا يدخل ملف إدلب فيها إلا مرور الكرام .

اليوم ما يحصل في سوريا لم يعد يقبله أحد لا من المؤيدين ولا من المعارضين، والملف السوري بات أوسع ملف تتشابك به ملفات كبيرة ، وأيضاً أصبحت الساحة التي يفرض من خلالها كل طرف موقفه وقوته على الآخر باتت ساحة جرداء، و مع عجز جميع الأطراف للوصول لاتفاق ينهي هذه المسألة حالياً، ومع غياب الحلول النهائية للقضية السورية داخلياً وإقليمياً

سيكون واجباً على المجتمع الدولي وعلى الدول الضامنة والدول التي تتدخل بالشأن السوري برغبتها أو رغماً عنها، سيوجب عليها أن تخرج إدلب من المشكلة الحقيقية ألا وهي تغيير النظام في سوريا أو بقاءه بحكم المزاج السياسي الدولي

والأخذ بعين الإعتبار في المأساة الإنسانية الكبيرة التي يعاني منها ثلاثة ملايين شخص بين نازح ومهجر يعيشون في إدلب يلتحفون الأرض ويفترشون السماء، ويقابلهم عشرة ملايين شخص في باقي محافظات سوريا يعيشون تحت خط الفقر ويعانون من التشرد والنزوح المناطقي بسبب العقوبات الدولية.

اليوم كمجتمع سوري ليس لنا البحث عن السبب ومن المسبب ولكن سنوات عديدة مرت وعانى فيها هذا الشعب الويلات ومن الطرفين معارضا كان أو مؤيد ، ولهذا نرى أن ما سيتم التوافق عليه سيخفف من معاناة من بقي على على قيد الحياة. وتبقى هذه الرؤية بمضمونها موضع بعد نظر وقراءة للحدث يمكن أن يتغير حسب المصالح والسياسات الدولية.

بقلم : أ علاء الدين لاذقاني
كاتب سوري و مستشار في العلاقات الدولية
ebnal3[email protected]

مواضيع قد تهمك

مواضيع قد تهمك

مواضيع ذات صلة