هل حان زمن اختفاء الدولة الاجتماعية في الجزائر؟

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

سوشال: متابعات

ما تضمنه قانون المالية الجديد لسنة 2022 المصادق عليه من قبل البرلمان، يوحي بالإجابة بنعم عن هذا السؤال، فقد تضمن القانون آليات لرفع الدعم المالي عن الكثير من المواد ذات الاستهلاك الواسع، التي تعرف في الجزائر دعما منذ سنوات كالسكر والحليب والخبز، والماء والكهرباء والبنزين، كلًف ميزانية الدولة سنويا ما قيمته 17 مليار دولار، حسب تصريحات الوزير الأول، الذي اقتصرت تجربته المهنية حتى الآن على قطاع المالية، الذي تقترح حكومته أن يتم توجيهه نقدا لمستحقيه مباشرة، بدل الطريقة الحالية غير المباشرة، التي يستفيد منها المحتاج وغير المحتاج، من دون أن يذكر الوزير الأول الطريقة المستعملة في الوصول إلى هذا الرقم، في اقتصاد ما زالت فيه الأجور الموزعة على المواطنين من أضعف الأجور في المنطقة، تحديدا عندما يتعلق الأمر بالفئات الوسطى الأجيرة التي ستكون على رأس ضحايا هذا الإجراء المتعلق برفع الدعم، إذا طبق فعلا، مباشرة بعد الفئات الشعبية التي ستزداد وضعيتها سوءا.

سابقة تتجرأ عليها الحكومة لأول مرة في التاريخ الاجتماعي السياسي للجزائر، ستكون لها تداعيات على أكثر من صعيد، وصعوبات كثيرة في تطبيق هذا القانون في ظل إدارة بيروقراطية، ما زالت لا تتحكم في استعمال الإحصاء الاجتماعي ولا الاقتصاد الرقمي، لا تعرف عدد المعوزين ولا العاطلين عن العمل ولا أصحاب الدخل الضعيف، الذين هم في حاجة فعلا إلى دعم، ولا تملك الإدارة ما يسمح لها بإيصال هذا الدعم النقدي الذي يقترحه القانون إلى مستحقيه في الوقت المناسب، وليس شهورا بعد.

لنكون بذلك أمام تحديات كثيرة تقف عقبة في وجه هذا القانون الذي ناقشته عدة حكومات قبل هذا الحكومة، لكنها لم تتجرأ على الإعلان عن تطبيقه وتمريره أمام البرلمان، كما فعلت حكومة أيمن عبد الرحمن التكنوقراطية، التي التحقت بها أحزاب ضعيفة بعد آخر انتخابات تشريعية، عرفت مستوى عزوف غير مسبوق في الجزائر، يؤشر إلى مستوى ضعف الشرعية الذي يميز هذه الحكومة، التي مررت قانون المالية بعد مناوشات شكلية مع نواب برلمان وصلوا إلى احتلال مواقعهم بعدد أصوات لا يتجاوز في بعض الأحيان أصابع اليد الواحدة، لن يضيفوا شرعية الى الهيئة التنفيذية، هم الذين يشكون أصلا من ضعف الشرعية.

بالطبع الحكومة، وهي تدافع عن هذا القانون، لم تخبر الرأي العام ولا الخبراء بالإجراءات التنظيمية المسبقة، التي كان من المفروض أن تتخذها تسهيلا لتطبيق هذا القانون، الذي يفترض أول ما يفترض التحكم في النظام الإحصائي الوطني، الذي كان يمكن أن يعرفنا عن توزيع الدخل على العائلات الجزائرية.

وضبط مناطق الهشاشة والفقر، تسهيلا للوصول إليها عند تطبيق هذا القانون، الذي يمكن ألا يطبق تماما، قبل سنوات لأسباب تنظيمية بحتة، كما حصل مع الكثير من القوانين السابقة، نسيت بسرعة وكأنها غير موجودة، كما لم تقم بدراسات حول تداعيات هذا القانون على الوضع الاجتماعي لملايين من الجزائريين.

وهم تحت طائل أزمة كورونا بكل نتائجها الاجتماعية والاقتصادية، تقول كل المؤشرات وحتى المعاينة المباشرة بالعين المجردة، إن قدرتهم الشرائية انهارت وزادت حدة هشاشتهم الاجتماعية، وقنوطهم من الأوضاع، كما تعبر عن ذلك معدلات الهجرة غير النظامية، ومعدلات العنف المرشحة للزيادة. حالة يكفي التجوال في الأسواق لمشاهدة أعداد المواطنين الباحثين في محيطها عن بقايا الفاسد من السلع، وهم ينقضون عليها في المزابل العمومية.

ناهيك من عدد المتسولين في الشوارع والطرقات من كل الأعمار ومن الجنسين، في وقت زادت فيه حدة الفروق الاجتماعية بين الجزائريين، بين أقلية من المستفيدين من هذا الاقتصاد الريعي، وأغلبية مهمشة تزداد شروط حياتها سوءا كل يوم، بعد أن تعطلت مؤسسات الترقية والإدماج الاجتماعي كالعمل المأجور، الذي قل وزادت فيه حدة البطالة بكل أشكالها، المقنع منها والسافر، أصبح فيه مطلوبا من الجزائريين والجزائريات القيام بأكثر من عمل حتى يحصلوا على دخل معقول، بعد التدهور المستمر في قيمة العملة الوطنية، داخل اقتصاد يسيطر عليه بشكل كبير القطاع غير الرسمي، الذي لا تتحكم الحكومة، لا في ما يوزع داخله من أجور، ولا شروط عمله وتنظيمه، أو نظام ضرائبه.

قانون المالية الجديد سابقة تتجرأ عليها الحكومة لأول مرة في التاريخ الاجتماعي السياسي للجزائر، ستكون لها تداعيات على أكثر من صعيد

التداعيات السياسية، قد تكون الأهم ونحن نناقش قانون المالية هذا، الذي قد يصفه البعض بالجريء أو المتهور من قبل حكومة تكنوقراط ضعيفة القاعدة الاجتماعية، لا تملك ضمانات ألا تندلع بعد انطلاق تطبيقه اضطرابات اجتماعية واسعة على شاكلة ثورات الجياع، التي شهدتها أكثر من مدينة عربية في السابق، وعاشت مثلها المدن الجزائرية، بعد زيادات أقل في أسعار بعض المواد الغذائية أو ندرتها، كما حصل في يناير 2011.

تداعيات سياسية لا بد من العودة إلى المدى الطويل لفهمها، بكل ما تحيل إليه من تحول في العقيدة السياسية للنخب الحاكمة، التي ابتعدت عما كان يميز حتى الآن عقيدة الدولة الوطنية وطابعها الشعبي، الموروث عن التاريخ السياسي والاجتماعي للبلد، في وقت تعيش فيه الدولة الوطنية تغييرا عميقا على مستوى قاعدتها الاجتماعية، وهي تتخلى تدريجيا عن عمقها الاجتماعي الشعبي لصالح قاعدة اجتماعية هجينة، مكونة من فئات اجتماعية جديدة من حديثي النعمة وكل القوى التي استفادت من هذه التحولات، التي عاشها المجتمع الجزائري منذ عقود،

عقيدة سياسية وطنية عكست ذلك العقد الاجتماعي، الذي كان يربط المواطن الجزائري بدولته الوطنية حتى الآن، بإيجابياته وسلبياته التي كان من بينها قبول المواطن بالتنازل «طوعا» عن حقوقه السياسية الفردية، إذا تمت تلبية مطالبه الاقتصادية والاجتماعية الجماعية، عملية مقايضة عاش عليها لعقود المواطن الجزائري، وتبنتها الدولة الوطنية ونخبها، وصلت إلى حد تفسير كل تحرك سياسي وكل احتجاج يقوم به الجزائري بندرة، السكر والزيت، حتى وهو يعبر عن مطالب سياسية لم تنجح كحركات اجتماعية دائما في الإفصاح عما تريد تحقيقه، ولا كيف تحققه، فالجزائري من وجهة النظر هذه لا يمكن أن تكون له مطالب سياسية، فكل ما يمكن أن يطمح إليه هي مطالب اجتماعية واقتصادية بالضرورة كانت الدولة الوطنية قادرة على تلبيتها، اعتمادا على اقتصاد الريع وتعرف كيف تتفاوض حولها بكم الفساد الذي ارتبط بها.

الأمر بالطبع تغير، كما عبر عن ذلك الحراك الشعبي، فالجزائريون أصبحت لهم مطالب سياسية فردية وجماعية، زيادة على مطالبهم الاقتصادية والاجتماعية التي زادت وتنوعت، وهو ما لم تعد السلطة قادرة على التعامل معه، بمؤسساتها البيروقراطية ولا قادرة على فهمه، كما توحي بذلك عملية المصادقة على هذا القانون الذي يمكن أن يفتح نار جهنم على الجزائر والجزائريين.

ناصر جابي كاتب جزائري- القدس العربي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.