هزيمة الدين والدولة في الجزائر

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

سوشال: متابعات

هزيمة الدين والدولة في الجزائر

وجه هزيمة الدولة في الجزائر أن نظام الحكم لم يتمكن من بناء مؤسسات مستقرة، مكتفية بنفسها، تقوم بذاتها على ذاتها وليست مطية لمآرب خاصة، ولا لأغراض شخصية على ما يحصل في العقود الأخيرة، حيث آل الوضع برمته إلى دولة العصابة، التي أعقبت مباشرة الهزيمة الأولى للدين في حرب أهلية شَهِدَتها الجزائر مطلع تسعينيات القرن الماضي. وفي المدّة الأخيرة نحضر كلنا لهزيمة ثانية للدين الإسلامي، بعد أن أعيد تأهيل النظم الطرقية وقادة شيوخ الزوايا، وصار لهم نفوذ على صعيد السلطة في وجوهها ومظاهرها كافة.

الاستناد إلى النظم الطرقية ومحافلها وزبانيتها، هو الوجه المفلس في نظام حكم صار يخشى الموت ولا يعرف كيف يلقى الله. والتعويل على الفتاوى الجاهزة لقادة الطرق وشيوخها، هو الإكسير الذي يريده النظام القائم، من أجل مواصلة استنزاف مشروع وتبديد «حلال» لثروات وخيرات الأمة.

الجزائر بعد فقدانها لمصداقيتها على الصعيد الدولي، وعدم تجاوب العالم مع قضاياها المفتعلة، صار النظام يرنو أكثر إلى من يواسيه ويعزيه، ويقرأ له التأبين ويسعفه في ملماته ومآسيه اليومية، التي لا تعد ولا تحصى، وأن أفضل مسلك هو تسخير شيوخ الزوايا ورصيدهم المتهالك لصالح النظام، ولو بزيادة بدع في العبادات لم يعرف لها سند ولا تَدْخل في دائرة المعلوم والمعقول. عودة نظم الطرق، على ما يحرص عليه النظام الحالي، هو إعادة انتشار ظاهرة تَدَيّن متهرّئ عبَّر عنه مالك بن نبي «القابلية للاستعمار» في كتابه «العفن».

والعفن حالة لاستعمار يستغل ويستنزف مجتمع لا يتوفر على مقومات التقدم والرقي والتطور، لأنه في حالة تغري الآخر بالسيطرة عليه، واستغلال أمواله وتراثه الذي لا يعرف كيف يسيره ويتواصل معه في لحظة متقدمة عليه.

وبالعودة إلى التاريخ الحديث، نجد أن حالة التدين التي كان عليها المجتمع الجزائري، هي التي أوحت إلى فرنسا بالوصول إلى شواطئ الجزائر، والشروع في احتلالها بتركهم على دينهم وتقاليدهم وعاداتهم المتكلِّسة ذات الرتابة الموسمية المتجذرة والضاربة في القدم، لا تعيق فرنسا عن احتلال الأرض والإنسان على السواء، والتقدم في المناحي والمناطق كافة، التي تسيطر عليها النظم الطرقية وشيوخ الزوايا والأسر والعائلات الميسورة والمرفهة، التي زادت مكانتها، بعد أن تقربت الإدارة الاستعمارية منها، وصارت ربيبة وقريبة منها، حتى وصلت حد المصاهرة. عودة تأهيل وتنشيط شيوخ الطرق وزواياهم، يقصد به خدمة وجه السلطان قبل وجه الله، وأن الحاكم يريد أن يطمئن على أفعاله قبل أن يلاقي ربه.

وأن الجهة القادرة على ذلك هي النظم الطرقية ذات الخطاب الديني الجاهز، الحافل بالأدعية والتمائم والطقوس والطلاسم التي لا يفك رموزها ومغزاها إلا شيخ الطريقة وجوقته، التي لا تكف عن ترديد الدعاء للحاكم كأفضل سبيل إلى زيادة رصيده من أجر الآخرة، الذي يشفع له يوم القيامة، على ما يزعم ويعتقد الحاكم الساذج.

إحياء النظم الطرقية وإعادة بعثها من جديد هو تعدٍّ صارخ على التاريخ الجزائري الحديث والمعاصر. فقد كان إسلام الإدارة الفرنسية في الجزائر هو الإسلام الوراثي على حد تعبير الشيخ عبد الحميد بن باديس، إسلام أهل الطريقة ومَرَابطِيَتِها وقادتها، في خدمة الشيخ وآل الشيخ وأهله وأتباعه. وهذا ما لا يتلاءم مع العصر الجديد الذي يحتاج إلى دين الدولة، أي عقيدة الإصلاح والنهضة والتنمية الشاملة لكل الوطن، وليس لطريقة أو جهة أو قبيلة أو عشيرة.

عقيدة الإصلاح على ما سعت إليه جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، هي السبيل الأفضل إلى تجاوز بنى وهياكل دينية، لم تعد من روح العصر، ولا من سياقه إطلاقا. فقد جاءت لحظة الدولة ومؤسساتها والدين إحداها، وليس خارجا عنها على ما يريده النظام القائم اليوم، عندما يروم صكوك الغفران، إلى جانب صكوك العمران. حالة ينتفي فيها الحرام ولا يعتد به حيال النظام الحاكم.

التعويل على فتاوى قادة الطرق وشيوخها، هو الإكسير الذي يريده النظام لمواصلة استنزاف مشروعٍ وتبديدٍ «حلال» لثروات وخيرات الأمة

وعليه، فعندما تطلب السلطة الحاكمة النظم الطرقية في لحظة زمنية مفارقة لها تماما، تكون بذلك قد اعترفت بأن ما بقي فيها من أجهزة وهياكل ليس إلا الجزء المعترف به دوليا، أي ما تحظى به من اعتراف هيئة الأمم المتحدة بها، وأن رصيدها الداخلي «الوطني» قد تآكل، ولم يعد يقوى على الأخلاق الإصلاحية والعقيدة التوحيدية، والدين في ذروته العالية التي تند عن مكانة الطريقة ومنصب الشيخ ودرجة القائد وجاهه، التي سبق لها أن أغرت الأجنبي باحتلال الجزائر. وها هي اليوم تلح على ضرورة إسعاف بلد في وضعية خطرة جدّا، ولا يقوى على تدبير حاله فلجأ إلى الغيبيات والروحانيات وشطحات الصوفية والصلاة بالوكالة وبيع البركات والحسنات ومضاعفتها. عودة شيوخ الزوايا إلى هرطقاتهم ومروقهم، هو نوع من خيانة سَدَنة المعبد، الذين استغلوا هشاشة النظام السياسي – العسكري، من أجل مدّهم بالمؤونة الروحية والسند الغيبي و»الدعاء الشرعي» الذي يشفع لهم في إمكانية البقاء في الحكم في هذه الدنيا والنجاة في الآخرة. ولعلّ هذا ما يصدق على المشهد الأخير المعبر عن حالة تردي الوضع الديني في الجزائر، المشهد هو تقدم الرئيس الجزائري في صلاة بروتوكولية المصلين وأصر أن يكون إلى جانب الإمام وليس خلفه، حتى لا يضيع منه أجر واحد وتكون صلاته بمثابة صلاة الإمام في قيمتها وأهميتها.

الأصول البدوية والريفية والعشائرية للنظم الطرقية، تعبر تعبيرا بليغا عن عدم مسايرتها لمتطلبات الإسلام في المدينة، وفي الحضارة التي تنشدها الإنسانية في ربوع العالم كافة. ومن هنا الهزيمة الثانية للدين في الجزائر على يد النظام الذي سبق له ولا يزال أن أخفق في بناء الدولة الجزائرية وفق ما جاء في بيان الأول من نوفمبر/تشرين الثاني: لا دولة ديمقراطية، ولا دولة في إطار المغرب العربي، ولا دولة في إطار المبادئ الإسلامية ولا دولة تحترم الأقليات، ولا دولة الحريات الأساسية، ولا دولة منفتحة على العالم.. كل شيء يجري انتهاكه وهتكه والاعتداء عليه في الداخل، بعيدا عن أنظار المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية والمحاكم الدولية..

فالجزائر بعد هزيمة الدين والدولة، آلت إلى أن تعيش التقدم معكوسا.. تدفع المبالغ الباهظة من أجل التخلف الممنهج على قاعدة صرف الأموال على برامج اجتماعية، لتذهب في نهاية المطاف إلى خزينة رجال الدولة وليس إلى الدولة، على ما تطلعنا عليه يوميا قنوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي: مهرجان من الأنباء والأخبار عن ما يجري في أروقة المحاكم وأقبية السجون ومكاتب التحقيق والأحباس الاحتياطية والتوقيفات المؤقتة.

المقال يعبر عن رأي الكاتب.

كاتب وأكاديمي جزائري – نور الدين ثنيو- القدس العربي

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.