سوريا: أوهام القوة الفارغة

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

سوشال-متابعة

كتب نضال نعيسة في موقع الحوار المتمدن
لم تكن سوريا بعمرها الكياني القصير جداً، البالغ حوالي الـ 25 عاماً، دولة قوية مستقرة مزدهرة موحدة، تكابد أزمة هوية حادة بمعضلتها الديمغرافية التعددية التي كان من المستحيل أن تجمع هذه الخلائط المتباينة فكراً، وثقافة وعقيدة ومذهباً، وعرقاً، وإثنياً

في بوتقة وكيان واحد موحد، لذلك كان اللجوء للديكتاتورية الإيديولوجية القومية البعثية وتفرعاتها كأفضل خيار، لإلغاء كل تلك التمايزات والتباينات والتناقضات والفروقات، وجعل “الذئب والشاة” يمشيان جنباً إلى جنب بها، كما يقال.

ومع نشوء وترسخ النزعة الاستبدادية الفاشية، وبروز شكل من أشكال الاستقرار المجتمعي الأجوف، بدأ يظهر نمط من أوهام القوة الفارغة، لدي النخب السلطوية، كما لدى بعض المجاميع الشعبية البعثو-مؤدلجين والمبرمجين وبدأت برفع سقف الوهم الطوباوي بشكل أعلى من ذي قبل. ولم تلتفت هذه النخب والشرائح للداخل الذي كان يغلي بأزمات على صعد عدة.

ركبت “أوهام” القوة ووساوسها أدمغة النخب، وأصابتهم بشيء من الانفصام السياسي والانفصال الحقيقي عن الشعب والواقع، فسوريا الهشة، تريد أولاً، أن توحد الوطن العربي

عبر حزبها الفاشي العروبي المتسلط وخطابه القومي الظلامي الرجعي العنصري، وتحشر العرب والمستعربين، معاً، وبقية الشعوب السورية مع سكان الإقليم (أكراد، تركمان، آشوريون، سيريان، نوبيون، أمازيغ، أقباط، أحباش، بلوش، أفارقة، أرمن، شركس، ..) في كيان “عربي” الهوى، والهوية، وتبعث من جديد أمجاد قبيلة قريش، وسبأ، وعمورية، واليرموك، وحطين، وتهلل لمعارك دونكيشوتية، آناء الليل وأطراف النهار في إعلام البعث

وتخوض المعارك المصيرية، وتعبر المنعطفات التاريخية وتحقق الانتصارات والإنجازات على ألسنة الرفاق وتعلن الفتوحات ووضع “حجر الأساس”على صفحات الجرائد اليومية التي كانت تصدر في دمشق ولا يقرأها أحد إلا مجموعة عرفاء في الرقابة، إضافة للفرع الأمني المختص بمراقبة الإعلام والصحف اليومية.

ومن أحد أهم أوهام القوة البائسة والفارغة، وفي الوقت الذي انهارت فيه النظم، الأشتراكية، وهزلت وبان عجافها، وسامها كل مفلس، فسوريا، وبعدما وجد الغربيون نمطاً جديداً من العدالة الاجتماعية

امتصوا من خلاله غضب ونقمة الشارع وأفرغوا أي نوع من أنواع الصراع الطبقي عبر توزيع قسم من الثروة والناتج الوطني وعبر نظام ضريبي صارم وقاس وبذا قضت على الفكر الاشتراكي في مهده لدرجة نافست فيه وأسقطت الاتحاد السوفييتي دون أن تطلق عليه رصاصة واحدة

فالإمبراطورية البعثية في سوريا كانت ولا زالت تريد أن تبني النظام الاشتراكي، ومن أشهر الشعارات الجوفاء التي عرفها السوريون:

“لا حياة في هذا القطر إلا للتقدم والاشتراكية” (تحولت اليوم إلى نمط فريد من المُلكية والإدارة الشخصية والخاصة لم يعرفه التاريخ)

ورفضت الانصياع للواقعية والبراغماتية السياسية والتحولات الجذرية بالفكر والتجربة الاشتراكية العالمية، وبقيت “راكبة رأسها” وتريد تحقيق الاشتراكية، حتى من دون وجود أو طرح برنامج واضح لذلك، وأخذت على عاتقها أمر نشر ما تسمى بـ”الرسالة الخالدة”

رغم أن مؤسس الإسلام قال بأنه أكمل لهم دينهم في ذاك اليوم، وفيما تعهد كاتب القرآن بأنه أنزل الذكر وإنه له لحافظ، لكن سوريا سوريا تجاسرت على الجميع وأخذت على عاتقها تحقيق حتى الرسالات السماوية.

وسوريا “القومية” (العروبية كما يردد أبواق فينيقيا المستعربين)، و”قلب العروبة النابض”، و”عاصمة الأمويين”، كانت الأعلى صوتاً بين قريناتها وشقياقتها العربيات في المطالبة بـ”تحرير القدس”(رجاء ممنوع الضحك)، والأقصى وعودة الحقوق لمن يسمونه بالشعب العربي الفلسطيني (من دون أية مطالبات بحقوق لمن يسمونه بالشعب السوري)وحل قضية اللاجئين الفلسطينيين

وخاضت لذلك أيضاً، معارك إعلامية، وخطابية، لا يشق لها غبار على مدرج جامعة دمشق، لعقود من خلال مهرحات القيادتين القومية، والقطرية الاحتفالية، ومن دون أن تطلق رصاصة واحدة، على “الكيان الغاصب” كما ترد التسمية في السرديات والمرويات واللطميات والعظات الإعلامية البعثية.

وسوريا، المسكونة بأوهام القوة، كانت تصطدم مع المجتمع الدولي، وتنحاز لجانب دول فاسدة، وساقطة، وديكتاتوريات فاشلة قمعية استبدادية وراثية ومفلسة وأنظمة منهارة، ككوبا، ويوغوسلافيا سابقا

ووكوريا الوراثية الشمالية، وفنزويلا المفلسة بؤرة الفساد واللصوصية المافيوزية العائلية الأكبر في الأمريكيتين، وتعلن دعمها ووقوفها معها، وبكل ما يجلب ذلك من مآس وتداعيات وحصار وعقوبات ظالمة ومؤلمة على عموم الشعوب السوري، وكله على حساب القانون والمجتمع الدولي وتستعدي قوى عظمى، وأخرى إقليمية، وجارة

وتفرط بصداقات وتقطع علاقات مع دول محورية، من أجل منظمات إخوانية وإرهابية كـ”حماس” وسواها.

وليس هذا، وحسب، فسوريا، المفرطة في أوهامها، وهلوساتها، تريد أن تقضي على الإمبريالية،(الأمريكية تحديداً)، ما غيرها، هكذا بدون مزح ومجاملة، و(ما فيش يا مه ارحميني)

ولا تقبل عن ذلك بديلاً، وتتحرك شمالاً لتدك معاقل الكفر والضلال “الغربي”، في باريس، ولندن، وواشنطن، لدرجة أن الحماس الطوباوي، لعب برأس أحد أبواق المقاومة، والخطاب الترللي، ليقول حرفياً موجهاً كلامه للمذيعة المعترة المبهورة والمدهوشة:

” لا تستغربي أن “الجيش العربي السوري وبعدما يقضي على الإرهاب بسوريا أن يتوجه للشمال لاستعادة الأندلس”، هكذا وكأنها سائبة،و” مال أبو من خلـّفوه”، وبكل ما في ذلك من استهتار بالعقول وبالقانون الدولي وقصور وعي حقيقي.، فيما ذهب وزير خارجية مغفور له، لأبعد مما قال من البوق الصغير، للتهديد والوعيد بإزالة أوروبا عن الخارطة.

لم يتحقق شيئاً، وبكل اسى وأسف، من كل تلك الوهام الطوباوية، ومعارك الطواحين الدونيكشوتية التي كانت تسكن يوماً مخيخات النخب السورية، وكلها كانت طحناً وقرقعة، وجعجعة بلا طحين، لدرجة وصلت بهم الحال عدم فدرتهم على تأمين رغيف خبز للسوريين اليوم.

رحم الله من قال: “من كبـّر الحجر ما ضرب”، وما حدث في سوريا، أن هذا الحجر الكبير الذي حملته تلك النخب الطوباوية وقع على قدميها، وكسرها وأعطبها وشلها، وأخرجها، بالتالي، من الخدمة كلياً وأصابها بالعجز التام.
ورحم الله امرىءً عرف قدر نفسه

احصل على تحديثات فورية مباشرة على جهازك. اشترك الآن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.