يبدو أن الأوراق تنقلب.. سوريا إلى أين؟

سوريا إلى أين؟

مقال للكاتب باسل المعراوي في موقع نينار برس

عندما أراد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية أكثر من مرة، كان يجابه برفض قوي من البنتاغون، وفي إحدى تلك المرات استقال وزير الدفاع ماتيوس من منصبه.

قد تكون الاستراتيجية الأمريكية في بداية عهد الرئيس الأمريكي الحالي، أوحت أن الولايات المتحدة قد تنسحب من سورية بعد سحب القوات الأمريكية من أفغانستان وتغيير طبيعة وجودها في العراق، وسعي الإدارة الديمقراطية المعلن للعودة لاتفاق نووي مع إيران.

كان يمكن وفق تسلسل تلك الأحداث أن يتم توقع إنهاء الوجود الأمريكي شرق الفرات بهدوء وبتفاهمات مع الأفرقاء ومن دون تكرار المشهد الفوضوي الأفغاني.

ويمكن للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين التحكم بالورقة السورية عبر ثلاثة ملفات مهمة وهي:

ملف التطبيع مع النظام.
ملف إعادة الإعمار.

ملف اللاجئين.
لاشك أنها ملفات هامة تتيح لواشنطن ضمان مقعدها على طاولة الحل النهائي والتحكم إلى حد ما بطبيعة هذا الحل.

بمعنى استخدام الولايات المتحدة لأدواتها الناعمة المؤثرة بضمان مصالحها ومصالح حلفائها الأكراد.

لم تسر المراكب الأمريكية كما تشتهي الإدارة الأمريكية الديمقراطية وجاءت الرياح معاكسة لأشرعتها، فقد حدث أمر خطير يهدد القارة الأوروبية، حيث تجرأ الرئيس الروسي متجاوزاً كل التهديدات الأمريكية، على اجتياز حدود أوكرانيا وتهديد النظام الدولي الذي تتربع الولايات المتحدة على عرشه

وبالتالي أصبحت روسيا العدو رقم واحد للمنظومة الغربية برمتها، وكان المفروض أن تغيّر واشنطن كل سياساتها، وترسم استراتيجية بعيدة المدة تتبنى هزيمة روسيا وتحطيمها كدولة عدوة أو منافسة مستقبلاً وبالتالي سيصبح الصراع معها في كل المجالات وكل الأماكن.

وبالتأكيد ستكون سورية إحدى أهم ساحات الصراع الغربي – الروسي، حيث لا يستهان بالوجود العسكري والسياسي الروسي في سورية وهو ما يدلو على أن روسيا دولة عظمى أو قطب دولي آخر كان الرئيس الروسي يسعى إليه.

كما أن تعثر ولادة الاتفاق النووي مع إيران بعد الاجتياح الروسي لأوكرانيا، ولازال هذا التعثر قائماً بعد مفاوضات امتدت لسنة ونصف.

ولم يفوت الرئيس الأمريكي ومسؤولو إدارته قبل مؤتمر جدة وبعده، أن الوجود الأمريكي في المنطقة سيتعزز، وبالتالي لن تترك الولايات المتحدة أي فراغ يملؤه الأعداء الثلاثة الصين وروسيا وإيران.

لذلك أرى أن لا انسحاباً أمريكياً في المدى المنظور من سورية سيحدث، وبالتالي لن تتخلى الولايات المتحدة عن تموضعها الجيوسياسي شرق الفرات لدواع ليس أولها الحفاظ على حلفائها المحليين، بل لخدمة استراتيجية الصراع مع الاتحاد الروسي وإيران في المنطقة التي أعاد الأمريكان اكتشاف أهمية غازها ونفطها وموقعها الحيوي.

ويبدو أن رغبة أمريكية أوقفت قطاراً من التطبيع العربي مع النظام السوري، وستنسحب هذه الرغبة الممزوجة بالإملاء أيضاً على أي استدارة تركية نحو النظام، ولا مانع عند واشنطن من إجراء اتصالات أمنية مع النظام السوري لكل الأفرقاء لضرورة ذلك للدول ولأنها من طالب بذلك لجميع الدول وبشكل دوري بعد ضربات الحادي عشر من أيلول، بغض النظر عن وجود علاقات طبيعية بين تلك الدول.

كان واضحاً الحنق أو الاستياء التركي من الموقف الأمريكي – الأوروبي الرافض بشدة لعمليته العسكرية شرق الفرات وغربه، وتجلى ذلك بفقرة من بيان قمة أستانة التي يطالب بها المجتمعون بالانسحاب الفوري للقوات الأمريكية الغازية من سورية وأيضاً تصريح الرئيس التركي لوكالة الأناضول على متن الطائرة التي أقلته من طهران بأنه يتوجب على القوات الأمريكية مغادرة شرق الفرات والتوقف عن دعم المنظمات الإرهابية، وصبّت التصريحات التركية بعد ذلك في ذات المنحى.

ومن المتوقع أن يكون الرفض الأمريكي للعملية العسكرية التركية هو لعدم إعطاء أنقرة أوراقاً أقوى تحتفظ بها عندما تحين ساعة الجلوس على طاولة الحل السوري، وأيضاً لعدم إعطاء الرئيس التركي نصراً عسكرياً ومعنوياً يسهم بتقوية حظوظه في الانتخابات التركية البرلمانية والرئاسية القادمة.

وقد يكون من ضمن أسباب الرفض الأمريكي دفع الجيش التركي للقيام بعمليته العسكرية التي وعد بها كل المسؤولين الأتراك في النطاق الذي يسيطر عليه الروس وهو الجيب العربي في تل رفعت لإحداث الوقيعة التي تتمناها واشنطن بين أنقرة وموسكو.

لن تتخلى الولايات المتحدة بسهولة عن استثمار لما يناهز العقد من الزمن فيما يسمى قوات سورية الديمقراطية.

لذلك من المتوقع أن تستطيع ولو نسبياً طرد كوادر حزب العمال الكردستاني خارج سورية باستخدام وسائل ناعمة وخشنة تتجلى بالحملة التركية بالطيران المسير على أهم قيادات ذلك الحزب وتصفيتهم.

ومن المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بتغييرات إدارية وهيكلية في بنية ما يسمى الإدارة الذاتية لإشراك فاعل ومؤثر للعرب فيها.

كما أنها ستدفع باتجاه حوار مثمر لقسد مع القوى السياسية الكردية المختلفة برعاية أربيل وإشرافها، وكل ذلك سيتم على حساب إبعاد أو طرد كوادر قنديل، مع إجراء تقارب حقيقي وجدي بين تركيا وحلفائها من قوى الثورة السورية مع المتغيرات التي تنوي إحداثها.

ومن المتوقع أن تتجدد الدعوات لفتح قنوات التواصل بين قسد والمعارضة السورية غرب الفرات عبر دعوات التواصل السياسي والمجتمعي

وفتح أو توحيد السوق الاقتصادية، خاصة أن تلك المناطق مستثناة أمريكياً من العقوبات التي يفرضها قانون قيصر، في استكمال لما بدأت به قسد ومسد من رفع أعلام الثورة السورية في ذكراها الحادية عشرة وإصدار البيان الذي يمجّد تلك الثورة ويعتبر قسد إحدى المكونات الثائرة على النظام السوري.

إن تلبية مخاوف أنقرة الأمنية على الجانب الآخر من الحدود قد يرضي أنقرة ويكون بمثابة أخذ سلة العنب دون قتل الناطور، خاصة منحها فوزاً معنوياً يغنيها عن عملية عسكرية وقتلى ودماء في صفوف جنودها قبل الانتخابات العامة بأشهر.

من البديهي أن تبارك روسيا التصريحات التركية الأخيرة كونها أولاً، تعطي فوزاً معنوياً لحليفها النظام السوري، ولكونها تسهم بسحب صديقها الرئيس التركي لأهم ملف انتخابي من يد منافسيه من أحزاب المعارضة التركية

حول موقف حزب العدالة والتنمية الرافض لإجراء أي تواصل مع النظام السوري يسهم بحل مشكلة اللاجئين التي تحاول أحزاب المعارضة تسويقها على أنها سبب المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها تركيا والمواطن التركي، ويبدو أن سردية المعارضة تلك قد نجحت وتبناها المواطن التركي.

مواضيع قد تهمك

مواضيع قد تهمك

مواضيع ذات صلة