«الفخ التَّايواني».. و«أمْرَكَة الحروب»

«الفخ التَّايواني».. و«أمْرَكَة الحروب»

كتب خالد العمر بن ققة في موقع المصري اليوم

منذ أن لاَحَ في الأفق احتمال تعامل روسيا مع أوكرانيا عسكريًّا، دار الحديث عن أن ذلك في حال وقوعه سيؤدي إلى غزو مماثل من الصين لتايوان

وقد بدَا هذا التوقع لحظتها نوعا من المخاوف الغربية على مصير قيادة العالم من دول غير ديمقراطية، كما روج له ــ على المستويين السياسي والإعلامي ـ في دوائر صناعة القرار الغربية، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

بعد ذلك، وحين اشتعلت الحرب في أوكرانيا ولم يمتد لهيبها إلى تايوان، وظلت محافظة على وضعها، ولم تستدرج الصين إلى المأزق العالمي عبر«الفخ التايواني»

ارتأت الولايات المتحدة أن استفزار بكين هو السبيل إلى شغل الصين بطريقة مماثلة أو قريبة من تلك التي قامت بها تجاه روسيا بدعمها لأكراونيا، من خلال زيارة «نانسي بيلوسي» رئيسة مجلس النواب الأمريكي، إلى تايوان.

وعلى خلفيَّة زيارة بيلوسي، يرى المراقبون أن الولايات المتحدة الأمريكية خرجت من أسلوب«الغموض الاستراتيجي»، الذي كانت تعتمده في علاقتها مع كل من الصين وتايوان

إلى تحديد موقف قد يؤدي إلى وضع عالمي جديد، يختصر في«أمركة الحروب»، حتى عندما يتم اللجوء إلى السلم، وفيها يكون الحضور الأمريكي مختفياً وراء منظومة القيم، أو ظاهراً من خلال شركاء محليين، أو في مرحلة وسطى بين الاختفاء والظهور على النحو الذي نراه اليوم في حرب أوكرانيا.

استناداً لهذا، يمكن اعتبار ما يحدث اليوم من توزيع واضح للأدوار بين الرئيس جو بايدن ونانسي بيلوسي، نوعا من الأمركة للخلاف بين الصين وتايوان، بحيث يؤدي ـ طال الزمن أم قصر ــ إلى حرب تايوانية بالوكالة يتم من خلالها تعطيل الصين من أن تكون بديلا للولايات المتحدة في قيادة العالم.

الملاحظ أن توجيه تلك الحرب المحتملة جاء في عبارات محددة في كلمة بيلوسي، والتي اختصرت في«التعاون الاقتصادي والأمني، والخيار الديمقراطي، والحوكمة.. إلخ»

وهي كلمات ظاهرها السلم، لكن باطنها الحرب، خاصة حين يتعلق الأمر بمسائل من مثل: حقوق الإنسان، والحريات، ومواجهة الأنظمة الشمولية، وتلك وغيرها لسيت مستفزة فقط للصين، ولكنها ضد وحدتها الترابيَّة باعتبار ما تحضر له أمريكا في المستقبل المنظور.

الولايات المتحدة، تسعى إلى جرِّ الصين إلى الحرب بأي شكل، لكنها لن تكون طرفا مباشرا فيها من الناحية البشرية، ليس فقط لأنها فشلت في كلٍّ من: العراق وأفغانستان

رغم حضورها العسكري المكثف، وإنما لأنها وجدت من يتولَّى الأمر نيابة عنها، وهو ما يكمن أن نستشفه من كلمة رئسية تايوان«تساي إينغ ون»، هذا أوَّلاً.

وثانيا: لأنها تريد لكل من روسيا والصين والهند وإيران دخول حروب استنزاف طويلة المدى، سواء أكانت مع جيران تلك الدول أو داخلها، وهذه سياسة أصبحت معتمدة، وإن كانت من مخلفات الاستعمار في القرنين الماضيين، مع اختلاف واحد هو عدم المشاركة بشكل مباشر من خلال العنصر البشري.

ونظراً لهذا المسْعى، تعْمَلُ الولايات المتحدة على ترديد اسطوانات قديمة ومشروخة تخصُّ الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، مع أنها تدركُ أن غالبيَّة سكان العالم

لم يعودوا مستعدِّين للقبول بمشروعها الوهمي الذي عاد بالوبال عليهم، بعد التحوُّل في عقيدتها منذ أن جرحت في كبريائها بأحداث الحادي عشر من سبتمبرالإرهابيّة.. تلك الأحداث التي زادتْ من غطْرستها

وأنتهت بها إلى جملة من الخطوات العملية تشكل في مجملها استراتيجية، تطبقها اليوم في تعاملها مع روسيا والصين، وتأمل في نجاحها من خلال اغراق الأولى في الفخ الأوكراني، واغراق الثانية في الفخ التايواني.

من تلك الخطوات ـ التي يمكن اعتبارها مبادئ ـ يمكن لنا ذكر الآتي:

ــ اشعال الحروب بعيداً عن فضائها الأمني، أي البحث عن جغرافية خاصة بالصراع، سواء أكانت المخاطر داخل الأراضي الأمريكية أو خارجها.

ــ التقليل من الحضور البشري الأمريكي في الحروب، حتي يبلغ صفرا في المستقبل، ومن هنا جاء سحب القوات الأمريكية من أفغانستان مثلا، نتيجة لهزائمها المتواصلة.

ــ ادخال الدول الكبرى المنافسة لها في أتون حرب طويلة المدى ـ عسكريا واقتصاديا ـ وذلك ما تقوم به اليوم ضد روسيا والاتحاد الأوروبي، وتأمل أن يتحقق مستقبلا في الصين بعد زيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان.

ــ تقسيم العالم إلى بؤر توتر متصارعة، تشتعل الحروب فيها على خلفية عوامل كثيرة، منها: الصراع الديني، والمذهبي، والعرقي والعنصري، والتاريخي، والجغرافي، والعسكري والنووي، والاقتصادي.. إلخ.

ومختصر القول: أنه في ظل أمْرَكة الحروب، والأزمنة، ومناطق الصراع، سيكون دفْع الدول ـ خاصة الكبرى ـ نحو أفخاخ من صنيعة أمريكية، ضارًّا لنا جميعاً، نحن سكان الأرض اليوم

وضارّاً لمن سيأتون بعدنا، وسيكون أكثر ضرراً على الولايات المتحدة كونها تصرُّ على عدم الاعتراف ببداية أفول عصرها، وبزوغ عصر قوى دولية جديدة، مثل: الصين وروسيا، حتى لو طالتهما أوزار حروب استنزاف في الحاضر والمستقبل.

مواضيع قد تهمك

مواضيع قد تهمك

مواضيع ذات صلة