“أستانا” وصيغ التعايش والله يفرجها على سوريا

“أستانا” وصيغ التعايش والله يفرجها على سوريا

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

انتهت يوم أمس الخميس، 16 يونيو، جولة جديدة من المفاوضات من مفاوضات أستانا، بمشاركة الدول الضامنة، وممثلين عن الحكومة السورية والمعارضة وكذلك هيئة الأمم المتحدة.

تضمن جدول أعمال المؤتمر قضايا إنسانية واقتصادية واجتماعية، وشدد البيان الختامي للمفاوضات على “الالتزام الثابت بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وفقا لمبادئ ميثاق هيئة الأمم المتحدة”،

كما أشار البيان إلى أن الأطراف المشاركة (من روسيا وإيران وتركيا إضافة إلى ممثلي الحكومة والمعارضة السورية) يعارضون جميعا “الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على سوريا، والتي تنتهك القانون الدولي وسيادة سوريا ودول الجوار، وتهدد الاستقرار والأمن في المنطقة، ودعت إلى وقفها”.

شددت الأطراف على “الحاجة إلى مزيد من التعاون من أجل القضاء نهائيا على المنظمات الإرهابية المتمثلة بـ (داعش) و(جبهة النصرة)، المعترف بهما على هذا النحو من قبل مجلس الأمن الدولي”، وأعربت الأطراف والدول الضامنة عن عزمها “التصدي للخطط الانفصالية الرامية إلى تقويض سيادة ووحدة أراضي سوريا وتهديد الأمن القومي للدول المجاورة”.

كما أكدت الأطراف المشاركة المجتمعة على “الدور القيادي لعملية أستانا في ضمان تسوية مستدامة للأزمة السورية”، بالإضافة إلى التأكيد على “أهمية دور اللجنة الدستورية السورية”.

هي الجولة الثامنة عشرة، في خضم مجهودات مختلفة من جهات مختلفة على مدار ما يزيد على عقد من الزمان، ولا شك أن صيغة “أستانا” قد أثبتت توازنها السياسي، واستدامتها، وقدرتها على التماسك، واكتسبت خبرة بالوضع السوري على الأرض، وكذلك الوضع الإقليمي، وهو ما يجعل لها الفضل الأول في استمرار نظام التهدئة ووقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية، وهو الأهم على الإطلاق،

ونتمنى أن يستمر هذا التعاون ما بين الدول الضامنة، التي تؤكد الأيام أن التجاذب/التنافر فيما بينها هو ما يكسب هذه الصيغة توازنها وقدرتها على ضمان عدم انهيار الوضع، وعودة الأزمة السورية إلى مربع الصفر. لهذا، وعلى الرغم من أي انتقادات يمكن أن توجه للبيانات تلو البيانات، والتوصيات تلو التوصيات، والاجتماعات والمفاوضات والجدل الذي لا ينتهي،

إلا أن ذلك بالتحديد هو ما ينقذ آلاف الأرواح من السوريين، خاصة من المدنيين، الذين “لا ناقة لهم ولا جمل”، ولا يريدون سوى أن يمارسوا حياتهم على نحو طبيعي، بعدما اكتووا بنار الأحقاد وأجواء العداء التي تسود بين أبناء الدم الواحد.

إلا أننا، طوال هذه السنوات إنما ننتظر أن يفرجها الله من عنده، بعدما عجزنا عن الدفع بالقيادات السورية إلى تنفيذ قرارات الشرعية الدولية بشأن سوريا،

وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2254، الصادر منذ سبع سنوات، وحث اللجنة الدستورية على التوصل إلى موائمات تفضي إلى نضوج أجواء محلية بين السوريين أنفسهم، تجمعهم حول مستقبل بلدهم ونظام الحكم والدستور وتحقق حدا أدنى من التوافق يسمح بعودة الحياة إلى شريان الأرض السورية العطشى للسلام.

من الجيد، بطبيعة الحال، أن يكون هناك ما نستند إليه، “صيغة أستانا”، والدول الضامنة، القادرة على منع الاقتتال، ونعرب عن شكرنا وامتناننا لروسيا وتركيا وإيران، لما يبذلونه من جهود تفضي إلى ذلك، إلا أن محاولات تخريب على الجانب الآخر، تسعى بنشاط وهمة إلى نسف وإنهاء نظام التهدئة، وتحاول بين الفينة والأخرى دق إسفين هنا، وزرع ضغينة هناك، واستخدام كل الوسائل الممكنة لذلك، تنفيذا لمخططات أمريكية تحديدا، لا يعجبها أن تعود سوريا إلى منطقتها، ودورها التاريخي في المنطقة،

ولا يعجبها أن “تخسر” مزيدا من أوهام “الهيمنة”، ودور “الشرطي”، في ظل الوضع الجديد حول العالم، بعد أن خلع الغرب أقنعة “الديمقراطية” و”الحرية” الوهمية، وتعرت قيم “العولمة” أمام قبح مشروع “القرن الأمريكي”، وسيطرة “الناتو” على مناطق شاسعة من العالم في توجه عدواني لا دفاعي.

من المؤسف أن تنخرط بعض الأطراف السورية في تلك الجهود التخريبية طيلة السنوات السابقة، ومن المزعج ألا يفهم هؤلاء أن ما يفعلونه لا يؤثر على سوريا وحدها،

وإنما يطال تأثيره منطقة الشرق الأوسط بأسرها، وأوسع من ذلك. خاصة وأن الوضع الداخلي السوري لا تنقصه المنغصات والعقوبات والأزمات الاقتصادية الطاحنة، في ظل رغبة مجنونة من الولايات المتحدة الأمريكية تحقيق أهداف خبيثة في سوريا بأي ثمن، بعدما فشلت الخطط الأمريكية والغربية بشأن أوكرانيا.

فقصف مطار دمشق الدولي وإخراجه من الخدمة (وهو ما سيحتاج إلى أربعة أشهر تقريبا لإعادته إلى الخدمة)، وليسمح لي القارئ برأي قد يبدو غريبا بعض الشيء، هو رسالة أمريكية بيد إسرائيلية إلى روسيا وإيران وتركيا والدول العربية، بأن واشنطن لن تسمح بأصوات تعارض أهدافها في الشرق الأوسط والعالم.

وأن كل الجهود في الحفاظ على نظام التهدئة ومساعدة سوريا، وعودة الحياة المدنية إلى طبيعتها، وافتتاح السفارات، والحديث عن عودة سوريا إلى الجامعة العربية، وغيرها من مظاهر الانفراج، كل ذلك لا يجب أن يتم بدون “مباركة” و”مشاركة” أمريكية، و”نصيب” أمريكي في الكعكة السورية.

رسالة مفادها أن الولايات المتحدة موجودة عسكريا في الشمال الشرقي ومنطقة التنف جنوبا، ومن غير المسموح لأحد الالتفاف على العقوبات التي تفرضها على الشعب السوري، وأن موقف الحياد من جانب الدول العربية حيال الأزمة الأوكرانية، والعملية العسكرية الروسية الخاصة هناك، لا يعجب الولايات المتحدة، ولا يعجب الإدارة الأمريكية.

إن فشل المخطط الغربي في أوكرانيا، وهو أمر جلل، يغير من موازين القوى في القارة الأوروبية والعالم، ويبشر بميلاد نظام عالمي جديد، يتخلص من الهيمنة الأمريكية والغربية على مقادير البشرية، وفشل المخطط الأمريكي تحديدا بزرع أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في أوكرانيا، يدفع الولايات المتحدة للجوء لأساليب أخرى مختلفة لتعويض هذه الهزيمة، واتخاذ إجراءات تخفف من آثارها، أو حتى تمهد طريق التراجع،

في ظل تأثير واضح ومخيف للعقوبات ضد روسيا على الغرب لا على روسيا. وأعتقد أن زيارة الزعماء الثلاث: المستشار الألماني، أولاف شولتس، والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء الإيطالي، ماريو دراغي، إلى كييف، هي مؤشر واضح على سعي أوروبا للبحث عن مخرج من الأزمة، ولعب دور الوسيط،

بعدما أصبح واضحا للجميع أن العملية العسكرية الروسية الخاصة تحقق أهدافها الاستراتيجية، وأنه لا يجوز التهاون مع روسيا إذا ما اتخذت قرارا يستند إلى إرادة شعبية واضحة للعيان.

لقد أوقف مسار “أستانا” الاقتتال بين أبناء الشعب السوري الواحد، إلا أن السوريين، على مستوى القيادات على أقل تقدير، لم ينضجوا بعد للحوار، والتوافق، والتوصل إلى صيغ تعايش، تشبه صيغة “أستانا” نفسها، التي تجمع ما بين روسيا وإيران وتركيا، ببراغماتية وعملية واضحة،

فسياسات وأجندات هذه الدول تختلف فيما بينها إلى حد الضد وحتى في بعض الأحيان “الصراع” فيما بينها، إلا أن هناك مساحات مشتركة، ومصالح يمكن الاتفاق بشأنها، ومن الممكن في نهاية المطاف البحث عن أرضية مشتركة يلتقي عليها الجميع، ليحقق الجميع مصالحهم، دون أن تتعارض مع مصالح الآخرين.

أقول بوضوح إن سلوك وفد الحكومة السورية، وكذلك الوفد العسكري للمعارضة السورية في لقاء “أستانا” الأخير يكشف عن أن السوريين لم ينضجوا بعد، وبحاجة لوقت أطول لذلك، إلا أن عقارب الساعة تتحرك، ومعها تتحرك بطون وأفئدة الشعب السوري، الذي يعاني من البرد والفقر والجوع والمرض،

ومصير هذا الشعب في يد هؤلاء، بينما تشح الموارد، وتخيم على العالم أجمع وضع دولي غامض، وأزمة اقتصادية وغذائية طاحنة، تتطلب منا جميعا أن نلتف حول شعوبنا، ونبحث عن الأرضيات والصيغ المشتركة للتعايش، حتى نتمكن من الوقوف في وجه التحديات، وكي لا يجرفنا الطوفان.

مواضيع قد تهمك

مواضيع قد تهمك

مواضيع ذات صلة